هناء صقر منصور: وعْد

(مهداة إلی طفلتي وعد، سمكتي التي وُلدت خارج الماء)


لم تكن الطفلة قد تعلّمت البكاء بعد، وهي الآن في شهرها الثاني. ما زالت الحياة بالنسبة إليها تجربة قصيرة ومضطربة، لكن العالم من حولها صار أكثر قسوة من قدرتها على الفهم.

في تلك الليلة، لم يكن هناك وقت لالتقاط الأنفاس.

صوت الانفجار لم يترك مجالًا للتأويل، تبعه ارتجاج في الأرض، ثم صمتٌ يشبه سقوط المعنى من الأشياء.

قال الزوج وهو يضمّ زوجته وطفلته إلى صدره:

“سنخرج فقط… ساعة واحدة، ثم نعود”...

خرجوا من دون أن يلتفتوا إلى الوراء. في ذاكرتها قصة عمود الملح .

كان الليل كمدينة الشاعر، بلا قلب... بلا عنوان.

الطفلة لم تبكِ كثيرًا، كانت تصدر أصواتًا صغيرة متقطعة، كأنها تتأكد من وجودها في عالم لا يُطمئِن.

الزوج يمشي أمامهما، يجرّ خطوةً أثقل من الأخرى، وكأنّ الأرض لم تعد تتعرّف عليه.

والزوجة تمشي خلفه، تحمل خوفها في صمت، وتحاول أن تحمي الطفلة من شبح الظلام.

كلّ خطوة كانت تنزع منهم شيئًا لا يُرى: اسمًا، يقينًا، أو فكرة أنّ الرجوع ممكن.

بعد أيّام، صاروا في مكان لا يشبه شيئًا ممّا عرفوه.

خيام مصطفّة كأنّها محاولة مؤقّتة لترتيب الفوضى، ووجوه متشابهة كأنّها خرجت من حكاية واحدة وتفرّقت في الهواء.

في الخيمة، كانت الطفلة تنام كثيرًا. لم تكن تعرف أنّ النوم هنا تأجيل للحياة.

حين تفتح عينيها قليلًا، تبتسم بلا سبب، فيشعر قلب الأم بوخزة خفيفة، كأنّ البراءة أصبحت شيئًا مؤلمًا.

الزوج صار يجلس خارج الخيمة لساعات.

ينظر إلى الفراغ الطويل أمامه، كمَن يحاول أن يتذكّر شكل الباب الذي خرجوا منه، لكنّ الصورة تتلاشى قبل أن تكتمل.

الزوجة لم تعد تبكي.

صار الحزن داخلها أشبه بنبضٍ ثابت لا يهدأ.

ترضع الطفلة بصمت، وتراقب نموّها كأنّها تشهد حياة تُزرع في أرض لا تريد أن تُنبت شيئًا.

في الليل، يدخل البرد بلا استئذان، كأنّه صاحب المنزل

وفي النهار، كان الضوء يكشف انكسار النزوح بلا مواربة.

مرّ شهران.

الطفلة بدأت تحاول رفع رأسها، كأنّها ترفض أن تبقى منحنية أمام هذا العالم.

الزوج صار أقلّ كلامًا، فالكلمات نفسها تخلّت عن جدواها.

والزوجة صارت تحفظ ملامح الخيمة كما تحفظ ملامح بيتٍ لم يعد موجودًا.

في صباح ثقيل، انتشر خبر بين الخيام:

الحيّ الذي خرجتم منه لم يعد كما كان… أو ربّما لم يعد موجوداً أصلًا بالشكل الذي تتذكّرونه.

لم يتكلّم الزوج.

لم تسأل الزوجة.

لكنّ شيئًا في الهواء تغيّر، كأنّ الحقيقة لم تعد تحتاج إلى إعلان.

في تلك الليلة، اقتربت الزوجة من طفلتها وهمست:

“اسمك وعد… لأنّنا لا نملك غيره.”

لكنّ الوعد في هذا المكان لا يكبر.

يبقى صغيرًا، هشًّا، يتنفّس بصعوبة بين البقاء والضياع.