أنطوان حربيّه: في مملكة الصمت



في مملكة الصمت، يبدأ السفر من الداخل، لا من الطرقات؛ لا خرائط ترشدك، ولا بوّابات تستقبلك، وحدها الروح هي البوصلة. تدخلها متخفّفًا من ضجيج العالم، كأنّك تخلع عن كتفيك أثقال الكلام، وتترك خلفك صخب المدن وأصوات الأسواق، لتجلس في حضرة الفراغ الممتلئ


الصمت ليس غيابًا للصوت، بل حضور لما هو أعمق من كلّ الأصوات، هو اللغة التي تفهمها الأرواح قبل أن تتعلّم الأبجديّات. في تلك المملكة، كلّ نسمة ريح تحمل حكمة، وكلّ ومضة ضوء تكشف أسرارًا، وكلّ لحظة صمت لقاء مع ذاتك التي تهرب منها في زحمة الحياة

وأنت تمشي في دروب الصمت، تسمع دقّات قلبك كأنّها أناشيد قديمة، وتلمح أفكارك وهي تعبر أمامك ببطء، كقوافل الحكايات التي لم تُروَ بعد. هناك تدرك أنّ الصوت ليس دائمًا وسيلة للتعبير، وأنّ أعمق الحوارات هي التي تجري بينك وبين نفسك بلا كلمة واحدة


في مملكة الصمت تتعلّم أنّ الصبر عبادة، وأنّ الإصغاء فنّ، وأنّ الحكمة لا تصرخ. تدرك أنّ الإنسان ليس بما يقول فقط، بل بما يصمت عنه أيضًا. فالصمت أحيانًا أبلغ من كلّ البلاغة، فهو كالنجم يضيء ليل الأرواح مهما طال العبور


وعندما تخرج من تلك المملكة، لا تعود كما دخلت، تصبح أكثر سعادة، أكثر صفاء، وأكثر وعيًا بما تقول وما تصمت عنه. كأنّك خرجت من معبد سرّيّ لا يسمح إلاّ لمن تهيّأ قلبه أن يفهم لغة الصمت. فلنجرّب هذا السفر ولو لحظة في اليوم، لنضع رؤوسنا على وسادة الصمت، ونترك أرواحنا تبحر بعيدًا عن ضوضاء العالم. هناك فقط نكتشف أنّ الصمت ليس نقيض الكلام، بل أصله، وليس نقيض الحياة، بل جوهرها